+21624086101 info@iidebate.org

قراءة في منشور التوجيه المدرسي 2015

قراءة في منشور التوجيه المدرسي 2015

  صدر عن وزارة التربية خلال شهر فيفري 2015 المنشور السنوي الخاص بالتوجيه المدرسي الذي يضبط كالعادة تمشياته وإجراءاته ومقاييسه . وجاء صدوره دون إدخال التعديلات الضرورية المنتظرة لتطوير عملية التوجيه وللولوج بها إلى دائرة الإصلاح التربوي المرتقب . بل جاء هذا المنشور مطابقا لما سبقه في السنوات الماضية دون جهد أو مبادرة لتطوير أي من عناصر منظومة التوجيه المدرسي ( مثل الإختصاصات ، المقاييس ، الإجراءات ، المواعيد ، الفاعلين في التوجيه …. الخ ) . لذلك تبادرت إلى ذهني ، وأنا أقرأ منشور التوجيه المدرسي هذا ، الملاحظات التالية ، أسوقها مساهمة مني في التفكير في واقع وثائق ومراجع التوجيه المدرسي عندنا وتشخيص ما بها من نقائص يجب العمل على تلافيها مستقبلا وبكل إلحاح :

1 – في باب المبادئ :

* المبدأ رقم 2 الخاص باختيار التلميذ :

أ – هنالك إلتباس في القول : كيف التوفيق عمليا بين اعتبار اختيار التلميذ عنصرا أساسيا في عملية التوجيه ، وبين الجدارة والأحقية التي تتأسس عليها هذه العملية ، إذ هي تنبني على امتلاك التلميذ المؤهلات وللإمكانيات الضرورية للإرتقاء ولإحراز التوجيه الذي يرغب فيه . فرغبة التلميذ لا يجب أن تكون مطلقة بالشكل الذي يلح عليه النص هنا ، لأنها قد تكون غير مؤطرة بالشكل الكافي ويمكن أن تتحول إلى أحلام وهلاميات فضفاضة إذا لم تكن واقعية صلدة ومحددة بدقة في المنشور ، لا تترك للإجتهادات المتموجة .

ب – ثم الحديث عن حدود طاقة الإستيعاب هو أيضا فضفاض ولا يضبط أي شيء بدقة . ولا يمثل مقاييس يمكن إعتمادها . فمثل هذه الأقوال جاءت ، في منطلقها ، في إطار التقرب من التلاميذ لاحتواء تحركاتهم السنوية المعهودة ، ولإقرار مكاسب موهومة لهم على حساب صدقية وجدية المؤسسة التربوية ومجالسها ( أي هي قرارات ذات بطانة سياسية اتخذها أحد الوزراء القدامى وكرسها لاحقوه للتساهل في الإنجاح عبر الإسعافات والتسهيلات المتواترة وليس بالجدارة إصرارا على بلوغ نسبة نجاح ب80 %   لأغراض دعائية أساسا ) .

ج – والحل يكمن هنا في ضرورة العودة للعمل بإلزامية توزيع التلاميذ على الشعب والإختصاصات وفق مقاييس ونسب علمية مدروسة وثابتة ، تكون محفزة للتلاميذ على العمل والإنضباط والجدية ، وتقر إعتماد الجدارة فعليا في إطار منافسة عملية متكافئة بين جميع التلاميذ تؤكد قيمة التوجيه المدرسي بصدق وفعاليته ومساهمته العملية في التنمية الوطنية بإقرار التخصصات المناسبة والتوجه بالبلاد نحو إحراز إرتقاء فعلي في الخيارات التحديثية والعلمية والتكنولوجية المنشودة للخروج من الهامشية ومن عدم الوضوح في كل المجالات والقطاعات .

فما أفرزته الإختيارات التربوية القديمة والتي يواصل تكريسها المنشور الجديد للتوجيه المدرسي بمبادئه المذكورة في صفحته الثانية هو تكدس التلاميذ بأعداد رهيبة في شعبتي الآداب والإقتصاد والتصرف ( إستسهالا للنجاح ولضمان الإرتقاء فيها ) مقابل عزوف كلي عن الإختصاصات العلمية والتقنية إلى درجة إلغاء هذه الشعب بعديد المعاهد وتحويل التلاميذ المتشبثين بها إلى معاهد أخرى .

* المبدأ رقم 3 :

1 – يعود ليؤكد على هذا التوجه المذكور سابقا داعيا إلى مراعاة مصلحة التلميذ من جديد ومضحيا بمصلحة البلاد وبالإختيارات الوطنية وبخصوصيات الجهات وبواقع المؤسسات التربوية ، التي تجد الوزارة مسوغا ضمنيا للتنصل من مسؤولية تجهيزها وتطويرها بالإبقاء على مراكمة التلاميذ بشعبتي الآداب والإقتصاد المعمول بها حاليا والتي أشرنا إليها سابقا .

2 – توزيع التلاميذ على الشعب والإختصاصات لابد أن يراعي مصلحة البلاد أيضا وأن يوليها الأولوية الكاملة وليس مراعاة مصلحة التلميذ فقط ، التي يعود لتكريسها المبدأ الرابع من خلال دعوته للمرونة في مراجعة قرارات مجلس التوجيه وفتح الباب على مصراعيه للإعتراض عليها كالعادة بما خلق الكثير من الإحتجاجات والإحترازات لدى الأساتذة الذين يرى بعضهم في ذلك استهانة بقرارات المجالس ويتخذونها مبررا لعدم التعاطي معها بإلزام وبحرص كامل على الإجتهاد والمواكبة ما دامت قابلة للمراجعة كلها نزولا عند رغبة التلميذ ووليه .

3 – كان من المفروض الحرص على تحديد المقاييس واضحة ونهائية وملزمة لهذه المراجعات التي يجب أن تكون استثنائية جدا وفي ظروف محددة وبمقاييس ملزمة وعلمية ودقيقة عوض التوصية  » بدراسة مطلبه في الغرض بكل دقة وعناية  » كما عهدنا ذلك في المناشير السابقة والتي لا توضح الشيء الكثير لما هو معمول به ، بل قد يفهم منه أيضا مآخذ على ما هو معمول به سابقا وإقرار بلا جديته .

4 – وفي نفس هذه النقطة بالذات ، يهمل المنشور تذكير الأساتذة بمسؤولياتهم عن التوجيه ويتغاضى عن تذكيرهم بإلزامية حضورهم المجالس والتعامل معها بجدية وانضباط كاملين كما في نصوص سابقة ( مثلا جاء في المنشور عدد 20 لسنة 1993 الصادر في 18 فيفري 1993 ص 2 ما يلي :  » يشارك في هذه المجالس كل أساتذة القسم بدون إستثناء . وفي حالة تعذر ذلك على أحدهم لأسباب قاهرة ، فإنه يتعين عليه تبرير غيابه باتباع التراتيب الجاري بها العمل وموافاة مدير المعهد ، قبل انعقاد مجلس التوجيه ، بملاحظاته واقتراحاته المتعلقة بتلاميذه الذين سينظر المجلس في توجيههم  » ) . فلماذا لا يعيد المنشور مثل هذا القول الواضح ؟ إن غياب مثل هذا الإلزام والتنصيص فقط على  » مشاركة كافة مدرسي الفصل  » هو مما شجع أكثر الأساتذة على الإستهانة بمجلس التوجيه وتعمد الغياب عنه ، مما جعل الكثير من المجالس تدار بنصف عدد الأساتذة أو أقل ويدور فيها التشاور بين المدير والناظر والقيم العام والأستاذ المكلف بالتوجيه وقلة من الأساتذة المعنيين أو الذين جاؤوا لبعض الغايات المحددة  .

2 – التوجيه :

- لماذا يشمل كافة التلاميذ في دورته التمهيدية ؟ كان من الأفضل تحديد عدد أدنى ب7 معدل على الأكثر ، فالتلاميذ الحاصلون على معدل دون ذلك في الثلاثيين الأول والثاني يستحيل عليهم عمليا التدارك في الثلاثي الثالث ، وهم أيضا غير مقتنعين بهذا السخاء ، بل يتعاملون معه بازدراء كبير ، كما تتعامل معه المجالس بعدم جدية ويوزعون هؤلاء التلاميذ كما تيسر ، بل هنالك من يحاول تعديل النسب والإيحاء بالتوازن في قرارات المجالس عن طريقهم ويغطي بهم الإخلالات .

- القول : يتعين حضور المستشار المجالس التمهيدية ، غير واقعي وفيه تناقض صارخ مع :

  أ – ما ورد بهذا المنشور ذاته في العنصر 3 الخاص بالتوجيه النهائي ، النقطة ب حيث نجد يمكن للمستشار حضور مجلس التوجيه النهائي .

- يتعين : يعني الإلزام والحرص على التطبيق .

ضد يمكن : يعني انتفاء الإلزام والقبول بالتصرف حسب ما تسمح به الظروف والوضعية . فما هو المبرر لأن يكون الحضور إلزاميا في التمهيدي فقط أو ممكن في النهائي فقط وهل أن الظروف والوضعيات تتغير بين هذا وذاك ، وماذا يطرأ عليها ، وما الذي يخشى من حضور المستشار في النهائي ، هل أنه سيؤثر في قرارات المجلس الدراسية أي النجاح والرسوب والرفت ، فهذا المجلس لا يحضره بالطبع .

ب – حضور المستشار هو غير ممكن عمليا باعتبار العدد الكثيف من الأقسام التي هو مسؤول عنها في المستويين الأولى والثانية . فبعض الزملاء مسؤول عن 12 معهد بها ما يقارب 130 قسم معني بالتوجيه ، ومثل هذه الكثافة يعانيها جميع مستشاري التوجيه دون استثناء نظرا لقلة عددهم . وفي هذه الحالة لن يكون الحضور بالمجالس ممكنا إلا بصيغ إنتقائية مجحفة : إما اختيار المعهد الأقرب في المسافة والذي لا يكلف الذهاب له العناء الكثير ، أو المعهد المفضل على أساس العلاقات الشخصية بالمسؤولين وبالإطار الموجود به ، أو الأقل كثافة والذي به عدد أقسام محدود لا تكلف الكثير من الوقت ومن المشقة . وفي كل الحالات المبررات أسوأ من الغياب .

ج – كيف يكون المقترح حينئذ ؟ : هو التوصية بأن المجالس ومديري المعاهد يمكنهم الإستعانة بالمستشارين في التوجيه كلما دعت الحاجة لذلك ولتذليل بعض الصعوبات سواء خلال المجلس أو خلال الإعداد له ( وهنا يكون لزوم التنسيق مع المستشار مسبقا في تحديد تواريخ إنعقاد المجالس ، وجدولتها حسب ما تسمح به إلتزاماته ) .

3 – ما الجدوى من مواصلة التمييز بين شعبتي الرياضيات والعلوم التجريبية ، اللتان يجمعهما كل شيء : المنشأ ، الذي هو المسلك العلمي ، والمواد المرجع ، ويفرقهما التوجيه المدرسي ليتسبب إعتباطيا في الحد من الآفاق الجامعية لشعبة العلوم التجريبية ، ويحرم تلاميذها من عديد الإختيارات الهندسية والتكنولوجية ، ومن البعثات الخارجية ومن المعهد التحضيري بالمرسى المؤدي إلى مدرسة البوليتكنيك .

4 – ما جدوى التمسك بالتدرج بالتوجيه من سنة أولى إلى سنة ثانية بعد أن انتفى موجبه ، باعتبار هذه المرحلية مرتبطة بتصور قديم لخارطة الإختصاصات تعذر تطبيقه .

5 –  حول تركيبة لجنة إعادة التوجيه : وموعد انعقادها الذي لا يسمح باستدعاء جميع الأطراف المذكورة لكثافة مسؤولياتهم في تلك الفترة من العام ، إضافة إلى أنه يتعذر قانونيا وعمليا الإتصال بالأستاذ المكلف بالتوجيه .

6 – يذكر المنشور ( ص3 ) ضمن الوثائق المكونة لمطلب إعادة التوجيه الذي يحيله المدير على لجنة مراجعة قرار التوجيه النهائي خلال شهر أوت  » بطاقة محاورة  » …. شخصيا لا أفهم متى عقدت هذه المحاورة ؟ ومع من أجراها التلميذ بعد توصله ببطاقة أعداده خلال العطلة الصيفية ؟ ومن الذي حرر هذه البطاقة أو عمرها ؟

7 –  في الإعتراض على مقترح التوجيه التمهيدي ، يورد المنشور مايلي :  » يعد المستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي تقريرا يتضمن مقترحا مبررا يقدم إلى مجلس التوجيه النهائي لدراسته والإستئناس به  » ….. كلام لا يقدر تدخل المستشار ، بل ويستهين به أيضا …. المجلس يدرس تقرير المستشار ويقيمه ويقرر ما يفعل به أي يعتمده أو يهمله …. عوض أن يلتزم به دون نقاش . فالمفروض أن يكون رأي المستشار قولا فصلا في عملية تحكيم بين المجلس والتلميذ عمادها الخبرة والتخصص والمقاييس والآليات العلمية الصادقة التي يستعين بها المستشار عادة لتقييم إعتراض التلميذ ومدى وجاهته . المستشار هنا هو الخبير الذي يكون رأيه نهائيا ولا يراجع من طرف من هو أدنى منه تكوينا ومعرفة ، فهو يمثل وصفة العلاج للمشكل أو للعلة ، وإلا لما استشارته من أصلها إن كانت هنالك نية مسبقة لعدم الأخذ بها .

8 – من نقائص هذا المنشور أيضا عدم تنصيصه على أنشطة المستشارين مع الأولياء والأساتذة بما يسمح لهم بمطالبة المديرين بتنظيم هذه الأنشطة في إبانها واستدعاء المعنيين لها . إذ من الضروري جدا عقد هذه الإجتماعات لتوعية الأولياء بق